التجربة الاستونية – الطريق إلى هيلسنكي

 Home / أفكار ومشاهدات / التجربة الاستونية – الطريق إلى هيلسنكي
كانت قاعة الاجتماعات في جامعة تاللين تطل على بحر البلطيق ولا يفصل بيننا وبين الشاطئ سوى كيلومتر واحد. وكانت ترسو عدة سفن كبيرة الحجم و جميلة البنيان زاهية الألوان، والملفت في الأمر أن السفن تصل وتغادر على مدار الساعة فكلما نظرت من النافذة رأيت إحداها مغادرة والأخرى واصلة وعدة سفن أخرى تقف في المرفأ. تساءلت في نفسي ما الذي يتم نقله في هذه السفن الضخمة بهذه الكثافة؟ ومن الذي يركب هذه السفن؟ وإلى أين تذهب ومن أين تأتي؟ وكيف يتم بناء هذا الكم الهائل من السفن الضخمة جدا؟ً وكيف يتم تشغيلها؟
 
لدى البحث في الموضوع علمت أنه وخلال الحكم السوفيتي قام الرئيس الفنلندي بزيارة إلى مدينة تاللين عبر موسكو، وهو العرف "اللادبلوماسي" الذي كان سائداً آنذاك، وقد اصطحبَ الرئيسَ الفنلندي في زيارته إلى استونيا ممثلٌ شخصي رفيع المستوى عن الرئيس الروسي. وخلال مؤتمر صحفي عقده الرئيس الفنلندي بحضور ممثل الرئيس الروسي ،وفيما اعتبر حركة ذكية منه بإحراج مضيفه الذي دأبت قيادته على الحد من أي محاولة للتواصل بين شعوبها وأوروبا، اقترح الرئيس الفنلندي فتح خط بحري يصل ما بين العاصمة الاستونية تاللين والعاصمة الفنلندية هيلسنكي واللتين يفصل بينهما 80 كيلومتراً فقط من بحر البلطيق. ولم يكن أمام المُضيف إلا أن يصرّح بأنها فكرة جيدة، واقتنص الرئيس الفنلندي هذه الفرصة وتابع الموضوع وطالب بتشكيل اللجان وعرض إرسال الخبراء والمساهمة الكبيرة في تحويل مقترح الخط البحري إلى واقع.
 
وفعلاً تم إقرار الموضوع وبدأ تسيير الرحلات البحرية بين المدينتين. وبسبب عدم وجود فنادق ذات مواصفات أوروبية في تاللين لاستقبال المواطنين الفنلنديين، بادرت الحكومة الفنلندية ببناء فندق في وسط العاصمة الاستونية ( وهو نفس الفندق الذي أقمت فيه خلال هذه الزيارة) لاستقبال الأوروبيين. كان الفندق مكوناً من 25 طابقاً وكان آنذاك أعلى بناء في المدينة، وبما أنه مخصص لاستقبال الأجانب ففي الرواية الموجودة في بهو الفندق أن الاستخبارات السوفيتية KGB قامت بالاستحواذ على الطابق الأخير من الفندق وزرعوا فيه أجهزة التنصت التي تصل إلى كل غرفة في الفندق. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي قام عناصر الاستخبارات بإخلاء هذا الطابق على وجه السرعة مخلفين ورائهم جميع أدواتهم. ومنذ عدة سنوات أصبح هذا الطابق متحفاً يقوم زوار المدينة بزيارته للاطلاع على فلسفة السوفييت في حكم شعوبهم، وللأسف لم يتسن لي زيارة هذا المتحف.
 
بالعودة إلى الخط البحري، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال استونيا، زادت الحركة البحرية بشكل كبير بين البلدين ومع دخول استونيا الاتحاد الأوروبي عام 2004 وسقوط الحدود بين الدولتين وتطبيق مبدأ التجارة الحرة، ازداد عدد السفن وازدادت الحركة إلى أن أصبح الخط البحري الذي يربط تاللين بهيلسنكي من أكثر الخطوط البحرية حيوية وحركة في العالم.
 
بعد أن عرفت كل ذلك قررت بأن أقوم بهذه الرحلة وتجربة هذا الخط، وذهبت إلى الميناء وحجزت تذكرتي وصعدت إلى متن السفينة. صحيح أنني شاهدت من قبل صوراً كثيرة لسفن ضخمة فيها مسابح وملاعب إلا أن خيالي لم يكن بحجم الحقيقة، فعندما أصبحت على متن السفينة وقفت مشدوهاً من ضخامة حجمها وبدأت أفكر كيف للإنسان أن يبني شيئاً كهذا؟ كيف خطر لأحد ما وتخيل شكلها بهذا الحجم! إنه الإنسان، خليفة الله على الأرض وصانع كل ماكان يبدو مستحيلاً
 
ولتزداد دهشتي نظرت من أحد النوافذ المدوّرة فرأيت أربع صفوف طويلة من السيارات والشاحنات تنتظر دورها لدخول السفينة بعد خروج السيارات والشاحنات الواصلة.

مخرت السفينة عباب بحر البلطيق في طريقها إلى هيلسنكي وأنا لم أتوقف عن الحركة صعوداً وهبوطاً في أرجاء السفينة محاولاً استيعابها متتبعاً اللوحات الإرشادية التي تعطي صورة عن الطوابق التسعة للسفينة والتي تحوي أيضاً عدة مطاعم ومقاهي ومحلات للألبسة وسوبر ماركت. والطريف أن السوبر ماركت يعتبر سوقاً حرة بلا ضرائب وعندما دخلته تفاجأت كثيراً بكم الناس الموجودين داخله وبطول خطوط الدور على صناديق الدفع وبكمية الأشياء التي يخرج بها المشترون.

استمتعت جداً برحلتَي الذهاب والإياب وقمت بتناول العشاء في أحد مطاعم السفينة. وشعرت بالإثارة الشديدة أنني بدأت وجبتي في دولة وأنهيتها في أخرى مع ملاحظة أن المطعم الذي أكلت فيه كان من أكبر المطاعم التي جلست فيها في حياتي.

رحلتي البحرية هذه كانت من أهم محطات زيارتي وتجربتي الاستونية، وكانت القيمة المضافة هي زيارتي للعاصمة الفنلندية التي قضيت فيها بضع ساعات. مدينة جميلة وادعة تحكي قصصاً أخرى للحضارة ولقدرات الإنسان اللامحدودة.

هذه التجربة كانت شاهداً عملياً على قول الشاعر أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ونحن بانتظار أن "نريد".

 Hilsinki1

Twitter Feeds

Fadibridge Mission

تتلخص رسالة موقع Fadibridge في سعيه لتقديم معلومات وأفكار وممارسات تساهم في تحسين نوعية حياة الناس وسعادتهم وقدرتهم على التخطيط والإنجاز. 

...

أقرأ المزيد

البوم الصور